الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
432
نفحات الولاية
عن الحدود وجامعة للكمالات كافة فليس من سبيل لتغيير تلك الذات ، كما أنّ المكان من لوازم محدود الوجود ، فتلك الذات المطلقة عن الحدود حاضرة في كل مكان ، وفي نفس الوقت هي ليست بحاجة إلى مكان . أضف إلى ذلك فإنّ صفات اللَّه خارجة عن نطاق وصفنا ، فنحن محدودون ، والذات وصفاتها ليست محدودة ، وليست لنا من قدرة للحديث عن كمالات اللَّه وإن طال بنا الحديث فإننا نعود من حيث ابتدأنا ، شئنا أم أبينا . نعم ، له وحده وصف ذاته وكمالاته كما ورد في الحديث : « لَا أَبْلُغُ مَدْحَكَ وَالثَّنَاءَ عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا اثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ » « 1 » . ثم خاض في الصفة الخامسة وهي علمه المطلق حيث ركّز على سبعة مواضيع خفية تماماً عن الآخرين ، فقال : « وَلَا يَعْزُبُ « 2 » عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلَا نُجُومِ السَّمَاءِ ، وَلَا سَوَافِي « 3 » الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ ، وَلَا دَبِيبُ « 4 » النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا « 5 » ، وَلَا مَقِيلُ « 6 » الذَّرِّ « 7 » فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ . يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ ، وَخَفِيَّ طَرْفِ « 8 » الْأَحْدَاقِ » . فالعبارة « عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ » تشير إلى قطرات المطر وقطرات ماء البحار والأنهار والآبار والينابيع التي لا يعلمها إلّااللَّه ، كما يعلم عدد نجوم السماء التي يقول العلماء اليوم أنّ مجرتنا فقط تحتوي على 200 مليار نجمة ، لكن ما عدد النجوم في سائر المجرات التي لا تعد ولا تحصى ؟ لا يعلم ذلك إلّااللَّه . والأدهى من ذلك ، ذرات الغبار التي ترتفع في كل آن في أمواج الرياح في كرتنا الأرضية وتنتقل من موضع إلى آخر ولا يعلم بها إلّااللَّه . ذهب البعض إلى أنّ المراد من دبيب النمل ، الأصوات
--> ( 1 ) . أصول الكافي ، ج 3 ، ص 324 ، ح 12 . مناجاة النبي عند سجوده منتصف الليل ( 2 ) . « يعزب » من مادة ( عزوب ) على وزن غروب ، بمعنى الابتعاد والاختفاء ، ومن هنا يقال ، الأعزب ( 3 ) . « سوافي » جمع سافية ، بمعنى ، الريح الشديدة ( 4 ) . « دبيب » المشي البطيء ( 5 ) . « صفا » جمع صفاة ، على وزن وفا ، بمعنى ، الحجر الأملس الضخم ( 6 ) . « مقيل » من مادة ( قيلولة ) النوم قبل الزوال ، ومقيل اسم مكان بمعنى ، موقع الراحة والنوم منتصف النهار ( 7 ) . « ذر » جمع ذرة ، وهي صغار النمل ( 8 ) . « طرف » بمعنى جفن العين ، وترد بمعنى النظر وتحريك الأجفان